أخبــاربلاد الشامنبض الساعة

إيران على مفترق خطير.. تحذير إسرائيلي من فاتورة الجولة المقبلة

في ظل تصاعد التحركات الدبلوماسية والعسكرية المرتبطة بإيران، يحذّر رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية السابق، اللواء في الاحتياط تمير هايمان، من أن أي مواجهة جديدة لن تكون مضمونة النتائج بمجرد تحقيق مفاجأة عسكرية أو تفوق تكتيكي، مشدداً على ضرورة تحديد أهداف الحرب وكيفية إنهائها قبل اتخاذ قرار بشنها.

ويرى هايمان أن استمرار الغموض بين خيار الاتفاق وتجدد الحرب يجعل المواجهة احتمالاً قائماً، خصوصاً مع تسارع إعادة بناء القدرات العسكرية الإيرانية. لكنه يعتبر أن الدخول في حرب جديدة من دون معالجة أوجه القصور في الجولة السابقة قد يضع إسرائيل أمام مواجهة طويلة ومكلفة، تتداخل فيها الحسابات العسكرية مع الاعتبارات السياسية والانتخابية.

بين الاتفاق والحرب.. غياب الرؤية يثير القلق

يعتبر هايمان أن استمرار الوضع الراهن يحمل مخاطر، في ظل مواصلة إيران تطوير قدراتها النووية ومواجهتها الضغوط الاقتصادية الأميركية، بما يعزز موقعها الاستراتيجي في منطقة الخليج.

ومن وجهة نظره، فإن الانتقال إلى اتفاق أو مواجهة قد يكون أفضل من استمرار حالة الغموض، لكن المشكلة الأساسية تكمن في غياب إجابة واضحة عن طبيعة التغيير الذي سيجعل الحرب المقبلة مختلفة عن سابقتها، والنتائج التي يمكن تحقيقها هذه المرة ولم تتحقق سابقاً.

ويحذر من أن توقيت أي مواجهة جديدة قد يزيد تعقيداتها، سواء اندلعت قبل الانتخابات الإسرائيلية، أو بالتزامن مع انتخابات التجديد النصفي الأميركية، أو خلال مفاوضات تشكيل ائتلاف حكومي في إسرائيل.

وبحسب تقديره، فإن تداخل الحرب مع الاستحقاقات السياسية قد يضعف التماسك الداخلي الإسرائيلي، ويثير تساؤلات بشأن شرعية القرار العسكري في إسرائيل والولايات المتحدة، فضلاً عن تعميق الانقسامات السياسية في مرحلة حساسة.

كما يشير إلى أن صورة إسرائيل لدى الرأي العام الأميركي وصلت إلى مستويات متدنية، محذراً من أن حرباً مشتركة جديدة قد تزيد تدهورها.

الانتخابات الإسرائيلية في قلب الحسابات العسكرية

يرى هايمان أن وجود دوافع عملياتية واستراتيجية للتحرك ضد إيران لا يعني أن الحرب أصبحت ضرورة ملحة في الوقت الراهن، ولا يبرر الدخول في مواجهة خلال فترة انتخابية شديدة الحساسية أو تأجيل الانتخابات الإسرائيلية.

ويعتبر أن إجراء الانتخابات في موعدها يحمل دلالات تتجاوز الاستحقاق الداخلي، إذ يعكس قدرة المؤسسات على الحفاظ على الاستقرار السياسي، ويؤكد مبدأ السيادة الشعبية واستمرار العملية الديمقراطية حتى في ظل التهديدات الأمنية.

وفي هذا السياق، يشدد على أن أي قرار بالحرب يجب أن يستند إلى احتياجات أمنية فعلية، بعيداً عن الحسابات الانتخابية الإسرائيلية أو المصالح السياسية للرئيس الأميركي دونالد ترامب.

ويحذر من أن اتخاذ قرار عسكري في ظل الاستقطاب الداخلي والمفاوضات الائتلافية قد يجعل الحرب أكثر خطورة، خصوصاً إذا بدا أنها مرتبطة بمصالح سياسية لا بضرورة أمنية مباشرة.

ثلاثة مسارات لإعادة بناء القدرات الإيرانية

يحدد هايمان ثلاثة مكونات رئيسية يرى أن إيران تعمل على إعادة بناء قدراتها فيها، استناداً إلى التقديرات الإسرائيلية.

أولها قدرات التخصيب النووي، إذ يشير إلى تعزيز الاستعدادات في منشأة تحت الأرض تُعرف باسم «جبل الفأس»، ويُفترض أن تتيح نقل جزء كبير من قدرات التخصيب إلى موقع أكثر تحصيناً ضد الهجمات.

أما المسار الثاني فيتعلق بإنتاج الصواريخ ووسائل إيصالها. ويقول هايمان إن إيران استأنفت إنتاج الصواريخ بوتيرة أقل من المستويات التي كانت مخططة قبل الحرب، رغم أن أجزاء من صناعاتها العسكرية لم تستعد قدراتها السابقة بالكامل.

لكنه يلفت إلى أن تطوير الصواريخ يأخذ في الحسبان دروس المواجهات الأخيرة، معتبراً أن عملية التعلم العسكري الإيرانية تسير بدقة على المستوى العملياتي.

ويتمثل المسار الثالث في إعادة بناء مكونات مرتبطة بتصنيع السلاح النووي، إذ يرى هايمان أن إيران قادرة على تعويض بعض العلماء الذين استُهدفوا خلال عملية «الأسد الصاعد»، ما يعني أن استهداف الأفراد وحده لا يضمن تعطيل المشروع بصورة دائمة.

الأزمة الاقتصادية الإيرانية.. فرصة عسكرية محفوفة بالمخاطر

إلى جانب التطورات العسكرية، يتحدث هايمان عن فرصة استراتيجية محتملة نابعة من تدهور الوضع الاقتصادي الإيراني، مشيراً إلى ما يصفه باستنزاف الاحتياطيات النفطية المخصصة للتصدير، وتوقعه استمرار الضغوط الاقتصادية خلال المرحلة المقبلة.

لكنه لا يرى أن الأزمة الاقتصادية وحدها ستؤدي بالضرورة إلى انهيار الدولة الإيرانية. ومن هنا، يطرح احتمال أن يؤدي استهداف البنية التحتية للاقتصاد الوطني إلى زيادة الضغوط على طهران، على أمل أن يشكل عاملاً حاسماً في إضعاف قدرتها على الصمود.

ويضيف إلى هذه الحسابات ما يسميه «عامل ترامب»، إذ يرى أن نتائج انتخابات التجديد النصفي الأميركية قد تؤثر في قدرة الرئيس على مواصلة الانخراط في مواجهة طويلة في الخليج، خصوصاً إذا فقد حزبه السيطرة على الكونغرس.

وبحسب تحليله، قد يؤدي ذلك إلى تضييق النافذة الزمنية التي يعتقد بعض المخططين أنها مناسبة لشن هجوم، لكنه يحذر ضمناً من أن استغلال هذه الفرصة لا يعالج وحده مشكلة غياب تصور واضح لنهاية الحرب.

الدرس الأول: تحديد أهداف الحرب قبل إطلاقها

يشدد هايمان على ضرورة تحقيق توافق إسرائيلي أميركي كامل بشأن أهداف أي مواجهة مقبلة، وتحديد ما يمكن تحقيقه عسكرياً وما يتطلبه كل هدف من موارد وتضحيات.

فإذا كان الهدف إسقاط النظام الإيراني، يرى أن ذلك يستلزم الاتفاق مسبقاً على المتطلبات العسكرية الواسعة، بما فيها احتمال الحاجة إلى تدخل بري. وإذا لم يكن الطرفان مستعدين لهذا المسار، فلا ينبغي، وفق تقديره، اعتماد إسقاط النظام هدفاً للحرب.

أما إذا كان الهدف إضعاف القدرات الاستراتيجية الإيرانية، فيدعو إلى تحديد ما إذا كان المطلوب القضاء على المشروع النووي بالكامل، مع إدراك الكلفة اللازمة لتحقيق ذلك.

وفي حال اقتصرت الغاية على تأخير البرنامج النووي، يحذر من المبالغة في التوقعات، ويدعو إلى دراسة بدائل أقل كلفة، من بينها العمليات الخاصة والسرية، قبل اللجوء إلى حرب واسعة.

ويتمثل جوهر هذا الدرس في تجنب وضع أهداف طموحة من دون التأكد من القدرة على تحقيقها، أو الاكتفاء بإعلانات عسكرية لا تضمن تغييراً استراتيجياً مستداماً.

الدرس الثاني: لا يمكن ضمان حرب قصيرة

يرى هايمان أن إنهاء الحرب لا يعتمد بالضرورة على القرار الأميركي وحده، بل يتوقف بدرجة كبيرة على استعداد إيران لوقف القتال، ما دام إسقاط النظام ليس هدفاً معلناً أو قابلاً للتحقيق.

ويحذر من افتراض أن المواجهة ستكون قصيرة من دون توفير حافز يدفع طهران إلى إنهائها، مشيراً إلى أن هذا الحافز قد يتطلب صيغة اتفاق تحصل إيران بموجبها على مقابل، حتى لو كان أقل مما كان متاحاً لها قبل الحرب.

كما يشدد على ضرورة تقدير قدرة إيران على الصمود، واحتمال استمرارها في القتال إذا شعرت بأنها وصلت إلى مرحلة يأس، معتبراً أن استراتيجية الخروج يجب أن تُبنى على هذه الاحتمالات قبل بدء العمليات العسكرية.

وبذلك، لا يقتصر التخطيط للحرب، وفق رؤيته، على كيفية توجيه الضربة الأولى، بل يشمل أيضاً الظروف التي قد تدفع الطرف المقابل إلى وقف القتال، والشروط التي تسمح بإنهاء المواجهة.

الدرس الثالث: الاستعداد لمفاجآت تتجاوز ساحة المعركة

يحذر هايمان من أن المواجهة السابقة أظهرت لإيران مدى تأثر النظام الاقتصادي العالمي بأي اضطراب في مضيق هرمز، في ظل تزامن أزمات الطاقة واضطراب التجارة البحرية مع الحرب في أوروبا.

ويرى أن طهران قد تستغل نقاط الضعف في المنظومة الدولية، بما في ذلك مجالات لم تحظَ سابقاً بالقدر نفسه من الاهتمام، كالبنية التحتية الرقمية ومراكز البيانات والحوسبة وصناعة الرقائق.

ويشير إلى أن إيران قد تكون مستعدة لتحمل حرب طويلة إذا اعتقدت أن توسيع نطاق الضغط يمنحها فرصة لإلحاق أضرار استراتيجية بخصومها.

لذلك، يدعو إلى الاستعداد لاحتمال امتداد المواجهة، وتعزيز حماية المنشآت والأصول الحيوية لفترات طويلة، والاستعداد للتداعيات الاقتصادية والأمنية التي قد تنتج منها.

متى تصبح الحرب مبررة؟

في الجانب السياسي، يربط هايمان مشروعية قرار الحرب بوجود حاجة عملياتية واضحة، وبثقة الجمهور بأن القيادة تتحرك انطلاقاً من اعتبارات أمنية لا من دوافع انتخابية.

ويؤكد ضرورة تجنب خوض المواجهة في توقيت الانتخابات الإسرائيلية أو خلال مفاوضات ائتلافية حساسة، كما يرفض أن يكون القرار الإسرائيلي تابعاً لحسابات الإدارة الأميركية الداخلية أو لمصالح انتخابية تخص ترامب.

ويحدد حالتين استثنائيتين قد تبرران التحرك العسكري في الظروف الحالية: الرد على هجوم إيراني، أو تجاوز طهران خطاً أحمر في الملف النووي، بما يشمل بدء التخصيب أو نقل مواد مخصبة إلى موقع مخفي أو تحقيق تقدم حاسم في مكونات تصنيع السلاح النووي.

ويخلص هايمان إلى أن التطورات الإيرانية تثير مخاوف جدية، وأن عدم التوصل إلى اتفاق مناسب قد يدفع المنطقة نحو مواجهة جديدة، لكنه يرى أن هذه الاحتمالات لا تكفي وحدها لتبرير حرب تؤدي إلى تعطيل الانتخابات الإسرائيلية.

وبحسب تقديره، فإن التفوق التكتيكي والقدرة على توجيه ضربة مفاجئة لا يضمنان الانتصار في مواجهة مع إيران. فالقرار العسكري، كما يشدد، يجب أن يأتي بعد تحديد النتيجة النهائية المطلوبة، وتوضيح المسارات السياسية اللازمة لتحقيقها، والاستعداد لتداعيات الحرب المحتملة، لا أن تكون الضربة الأولى هي نقطة البداية لتخطيط لم تكتمل ملامحه بعد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى